المكاسب والمنجزات التي أنجزت كثير، لكن المخاض لما يكتمل بعد ولم تتم ولادة العراق الجديد، فالمخاض ما يزال يغربل ويفصل المخلصين عن أصحاب المآرب الضيقة.
النقد نقدان: نقد يروم البناء والإصلاح. ونقد لأجل النقد والهدم. وهذه سلسلة من المقالات أتناول فيها نقد الجانب السلبي في صروحنا العلمية من أجل أصلاحها، ولترسيخ الجانب المشرق منها والمحافظة على الانجازات الكثيرة. .ولنفصل الزبد عما ينفع الناس ليمكث. إن الرأي المخالف يمكن نفثه في الهواء لا لقبوله! لكن في الأقل لبثه في الفراغ حتى لا يخنق الناس، فضلا عما في ذلك من مصالح يعود نفعها على المصلحة العامة.
كثيرة هي هموم العراقيين وشجونهم، لولا بصيص من الأمل يبرق في أحداقهم، وما يزال أهل العراق يعللون أنفسهم بأن الآتي أفضل لما قدموه من تضحيات في السنوات العجاف التي مرت بهم. شجونهم على أشكالها تقع، كل بحسب مستواه العلمي والاجتماعي والاقتصادي: المعلم ، الطالب، الموظف، العامل، العاطل، الكاسب.....
لكن أثقلها وزرا على الكاهل هموم العلماء الغيارى الحاملون هموم أواطنهم، الصامتون، الحامدون الله على كل حال، العاكفون على بحوثهم لا يشعر بهم، الهاربون من ضجيج المصالح الضيقة والصراع على المواقع، الخائفون على ما بقي من رمق لهذا البلد، لا يلتبس عليهم زبد أو ارتداء المآرب الشخصية زي الشعارات الوطنية، أو لبس الوجوه الجديدة. المتاجرون بمشاعر الناس، العازفون على أوتار مختلفة بحسب الحالة التي يرونها تخدم المصالح الخاصة فمرة طائفية وأخرى اجتثاث البعث وأخرى القوانين والتعليمات. وهكذا كل يسعى إلى ليلاه ناسيا واجبه ومسؤوليته تجاه بلده الجريح. وان قيمة البلد بعلمائه ورجاله المخلصين، نعمة الله على العراق، كل بحسب علمه وموقعه، هم الثروة التي ينبغي العناية بها والحفاظ عليها.
على الرغم من كثرة المؤسسات العلمية والثقافية والإعلامية والسياسية والدينية ومنظمات المجتمع المدني وشعاراتها ومسمياتها البراقة ، لكن الغايات الشخصية النفعية والطموح الانتخابي والسياسي الجامح هدفها الأعلى. لم تقم بواجبها المطلوب تجاه الصفوة من المبدعين. كم من مؤسسة علمية لا تتواصل مع المبدعين ولا تشركهم في تفعيلها وتطويرها. وكم من مؤسسة علمية وثقافية ليس لها حتى موقع الكتروني . ولم تعلن عن تشكيل لجانها العلمية أو الاستشارية على المعنيين بها، ولا سيما المجلات العلمية والثقافية والأدبية وغيرها التي تصدرها بعض مؤسسات الدولة العلمية والثقافية في دار الشؤون الثقافية مثلا أو المجمع العلمي العراقي وغيرهما من الصروح العلمية العراقية.
والمؤسسات الإعلامية المنحازة إلى الساسة. لم تعن بالعلماء والمفكرين وتبرز دورهم في العراق الجديد، ولم تسع سعيا حقيقيا لكشف النقاب عن إبداعاتهم العلمية وابتكاراتهم ومواهبهم التي وهبها الله لهم، أو تنشرها على وفق خطة إعلامية تقربها للمجتمع فتعم المنفعة العامة، أو تسعى لتشكيل فريق عمل لتشجيع ظهورهم في الإذاعة والفضائيات كما تفعل الإذاعة المصرية أو السعودية مع مبدعيهم وغيرهما.
ناهيك عن عسر طبع مؤلفاتهم ونشرها وضمان حق التأليف لهم. فيلجؤون اضطرارا إلى من يبخس جهودهم العلمية ( الناشرون العرب )، فيكتفون بنشر مؤلفاتهم مقابل عدد ضئيل من النسخ قد لا ترسل إليهم . أو يرسل بعض منها.
آه ! انه الفساد الإداري -المقصود وغير المقصود- المستشري في مفاصل مؤسسات الدولة، ولم تسلم منه بعض مؤسساتنا العلمية والثقافية حتى أصبح العراق الثالث فسادا بالترتيب العالمي من غير منازع. ( وبلا فخر).
ماذا جنينا من تسييس الصروح العلمية سوى النأي عن القيم العلمية الأكاديمية. ووقوف أهل العلم على أبواب المسؤولين يشحذون الفتات من المراكز. الموت يكمن فيها لما وهبهم الله من نعمة العلم، لا يعلمون قدرهم، يغفلون عن إنهم قادة البلد الحقيقيين. كيف لا ينزع الله نعمته عليهم فلا ينفعون بعلمهم.
ماذا جنينا من تسييس الصروح العلمية؟ رئيسان لجامعة واحدة!
كانت السنة الأولى بعد الحرب عصرا ذهبيا قياسا بالسنوات العجاف التي أعقبتها. كانت أكثر أمنا على الرغم من انعدام الحكومة وحل المؤسسات الأمنية والعسكرية، تعايش الناس فيها بفطرة العيش الإنساني الكريم، ثم تسرب الخوف واليأس إليهم والطائفية، وسلب الأمن شيئا فشيئا مع بناء المؤسسات الأمنية، ونأت صروحنا العلمية عن أهدافها شيئا فشيئا نحو السياسة والتحزب وكعكة المحاصصة.
كانت السنة الأولى التي أعقبت الحرب العصر الذهبي الديمقراطي للجامعة، كنا ندير أقسامها العلمية بعيدا عن السياسة والتحزب والمحاصصة، بعد الانتخابات العلمية الحرة العفوية التي شهدتها الجامعات والكليات أعقاب الحرب التي توسمنا فيها خيرا، وكانت الديمقراطية وجه العراق الجديد. ثم تسرب تسييس الجامعات والصروح العلمية بمساعدة أنصاف العلماء لطموحات فردية أو للمحافظة على بعض المراكز. المناصب في صروحنا العلمية لها خصوصية وقدسية، ذلك أنها مناصب علمية تدير شؤون العلماء وطلاب العلم تسمو على سواها من غير العلمية.
أعيدوا الى الجامعة هيبتها والى علمائها حقوقهم وعكوفهم في محاريبهم العلمية. واصنعوا الفرصة لكم - أيها العلماء - المخلصون لدخول المعترك فالمخاض ما يزال يغربل ولم تتم الولادة بعد، ولم يبزغ الفجر الجديد بعد، ولم تتضح الصورة فالمخفي أكبر. لا تتركوا ساحتكم لغير أهلها ادخلوا الواقع لتطبيق المعايير العلمية التي باتت مفرغة من مضمونها، ولإعادة رسم الخارطة والتوزيع العادل للمواقع والمهام في الحقوق والفرص. لتفصلوا الزبد عما ينفع الناس ليمكث. اصنعوا الظروف والأجواء للنهضة العلمية الشاملة كل بحسب موقعه وتخصصه وما آتاه الله من فضل وقوة العلم.
لقد طال المخاض أيها البلد العزيز